الآلوسي
93
تفسير الآلوسي
لا يخرج عن الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت * ( ولا جدال في الحج ) * أي ولا ينازع أحداً في مقام التوجه إليه تعالى إذ الكل منه وإليه ومن نازعه في شيء ينبغي أن يسلمه إليه ويسلم عليه * ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) * ( الفرقان : 63 ) * ( وما تفعلوا ) * من فضيلة في ترك شيء من هذه الأمور * ( يعلمه الله ) * ويثيبكم عليه ، * ( وتزودوا ) * من الفضائل التي يلزمها الاجتناب عن الرذائل * ( فإن خير الزاد التقوى ) * وتمامها بنفي السوي * ( واتقون يا أولي الألباب ) * ( البقرة : 197 ) فإن قضية العقل الخالص عن شوب الوهم وقشر المادة اتقاء الله تعالى * ( ليس عليكم ) * حرج عند الرجوع إلى الكثرة أن تطلبوا رفقاً لأنفسكم على مقتضى ما حده المظهر الأعظم صلى الله عليه وسلم فإذا دفعتم أنفسكم من عرفات المعرفة * ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) * أي شاهدوا جماله سبحانه عند السر الروحي المسمى بالخفي وسمي مشعراً لأنه محل الشعور بالجمال ، ووصف بالحرام لأنه محرم أن يصل إليه الغير * ( واذكروه كما هداكم ) * إلى ذكره في المراتب * ( وإن كنتم من ) * قبل الوصول إلى عرفات المعرفة والوقوف بها * ( لمن الضالين ) * ( البقرة : 198 ) عن هذه الأذكار في طلب الدنيا * ( ثم أفيضوا ) * إلى ظواهر العبادات * ( من حيث أفاض ) * سائر الناس إليها وكونوا كأحدهم فإن النهاية الرجوع إلى البداية أو أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء عليهم السلام لأجل أداء الحقوق والشفقة على عباد الله تعالى بالإرشاد والتعليم * ( واستغفروا الله ) * فقد كان الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم يغان على قلبه ويستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة ، ومن أنت يا مسكين بعده * ( إن الله غفور رحيم ) * ( البقرة : 199 ) * ( فإذا قضيتم مناسككم ) * وفرغتم من الحج * ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم ) * قبل السلوك * ( أو أشد ذكراً ) * لأنه المبدأ الحقيقي فكونوا مشغولين به حسبما تقتضيه ذاته سبحانه * ( فمن الناس ) * من لا يطلب إلا الدنيا ولا يعبد إلا لأجلها * ( وماله ) * ( البقرة : 200 ) في مقام الفناء من نصيب لقصور همته واكتسابه الظلمة المنافية للنور ؛ ومنهم من يطلب خير الدارين ويحترز عن الاحتجاب بالظلمة والتعذيب بنيران الطبيعة * ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا ) * ( البقرة : 202 ) من حظوظ الآخرة والأنوار الباهرة واللذات الباقية والمراتب العالية والله سريع الحساب . * ( واذْكُرُواْ اللَّهَ فِىأَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاإِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى واتَّقُواْ اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) * * ( واذَكُرُواْ اللَّهَ ) * أي كبروه إدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها . * ( في أَيَّام مَعْدُودات ) * وهي ثلاثة أيام التشريق وهو المروي في المشهور عن عمرو وعلي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها أربعة أيام بضم يوم النحر إليها ، واستدل بعضهم للتخصيص بأن هذه الجملة معطوفة على قوله سبحانه . * ( فاذكروا الله ) * ( البقرة : 200 ) الخ فكأنه قيل : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله في أيام معدودات ، والفاء للتعقيب فاقتضى ذلك إخراج يوم النحر من الأيام ، ومن اعتبر العطف والتعقيب وجعل بعض يوم يوماً استدل بالآية على ابتداء التكبير خلف الصلاة من ظهر يوم النحر ، واستدل بعمومها من قال : يكبر خلف النوافل . واستشكل وصف أيام بمعدودات لأن أياماً جمع يوم وهو مذكر ، ومعدودات واحدها معدودة وهو مؤنث فكيف تقع صفة له ، فالظاهر معدودة ووصف جمع ما لا يعقل بالمفرد المؤنث جائز ، وأجيب بأن معدودات جمع معدود لا معدودة ، وكثيراً ما يجمع المذكر جمع المؤنث كحمامات وسجلات ، وقيل : إنه قدر اليوم مؤنثاً باعتبار ساعاته ، وقيل : إن المعنى أنها في كل سنة معدودة ، وفي السنين معدودات فهي جمع معدودة حقيقة ولا يخفى ما فيه . * ( فَمَن تَعَجَّلَ ) * أي عجل في النفر أو استعجل النفر من منى ، وقد ذكر غير واحد أن عجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل يقال : تعجل في الأمر واستعجل ، ومتعديين يقال : تعجل الذهاب ، والمطاوعة عند الزمخشري أوفق لقوله تعالى : * ( ومن تأخر ) * كما هي كذلك في قوله :